مشاهدون قالب الأن

حكم السباحة للصائم في رمضان

الفتوى رقم: 1063
الصنف: الصيام-المفطرات
في حكم السباحة للصائم في رمضان
السـؤال:
ما حكمُ السّباحةِ للصّائمِ في رمضانَ؟
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالسّباحةُ في حدِّ ذاتِها ليستْ من مُفَطِّرَاتِ الصّيامِ، فهي في حكمِ عمومِ الاغتسالِ للصّائمِ سواء اغتسل داخِلَ الحمّامِ أو في بِرْكةٍ أو حوضٍ ونحوِ ذلك ولو كان غرضُه التّبرُّدَ فقط، وقد أطلق البخاريُّ -رحمه الله- في تبويبِه: «باب اغتسال الصّائمِ» ليشْمَلَ الأغسالَ المسنونةَ والواجبةَ والمباحةَ(١)، ويدلُّ على الغُسلِ المباحِ الأصلُ المبيحُ والآثارُ الموقوفةُ، منها: أثرُ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أنّه قال: «إِنَّ لِي أَبْزَنَ إِذَا وَجَدْتُ الْحَرَّ تَقَحَّمْتُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ»(٢)، قال ابنُ حجرٍ -رحمه الله-: «الأبزَنُ: حجرٌ منقورٌ شِبْهُ الحوضِ، وهي كلمةٌ فارسيّةٌ ولذلك لم يصرفْه، وكأنّ الأبزنَ كان ملآنَ ماءً، فكان أنسٌ إذا وجد الحرَّ دخل فيه يتبرّد بذلك»(٣).
والسّباحةُ تحتفظ بهذا الحكمِ مِنَ الجوازِ إنْ أَمِنَتْ محالُّها مِنْ رؤيةِ المنكَراتِ التي تقترن بها غالبًا مِنْ مظاهرِ العُرْيِ وكشفِ العَوْرَاتِ والنّظرِ إلى المحرَّماتِ، وإلاّ فإنّها تُحَرَّم لهذه العوارضِ لا لِذَاتِها.
هذا، فإنْ كان السّبّاحُ يسترزق مِنْ عملِه بالغوصِ سواء في إصلاحِ البواخرِ وتلحيمِها أو لغرضٍ آخَرَ ووافق عملُه الغوصَ في شهرِ رمضانَ؛ فالواجبُ التّحفّظُ مِنْ تسرُّبِ الماءِ إلى جوفِه، فإنْ سبق الماءُ إلى حلْقِه عن طريقِ الفمِ أو الأنفِ مِنْ غيرِ إسرافٍ منه ولا قصدٍ فصيامُه صحيحٌ مِنْ غيرِ كراهةٍ.
أمّا إنْ كان غوصُه في الماءِ والسّباحةُ فيه للتّرفيهِ عنِ النّفسِ أو للتّبرُّدِ أو للرّياضةِ أو للعبثِ والإسرافِ، دون دوافعِ الحاجةِ مِنْ عملٍ أو استرزاقٍ أو إنقاذٍ ونحوِها؛ فإنْ كان السّبّاحُ لا يخاف دخولَ الماءِ إلى حلْقِه بحيث يضمَنُ الحفاظَ على صيامِه جاز له ذلك كما تقدّم في تقريرِ الأصلِ السّابقِ، أمّا إنْ خاف السّابحُ أن يتعرّضَ بالسّباحةِ إلى إيصالِ الماءِ إلى حلْقِه؛ فلا تجوز في حقِّه السّباحةُ لقولِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ رضي الله عنه: «وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»(٤).
وفي كلتا الحالتين: عند الخوفِ مِنْ دخولِ الماءِ إلى حلْقِه أو عند الأمنِ منه، إنْ حصل وأنْ سبق الماءُ إلى جوفِه مِنْ غيرِ اختيارٍ منه ولا قصدٍ؛ فإنّ صيامَه صحيحٌ مع الكراهةِ، خلافًا لما عليه الجمهورُ مِنْ إبطالِ صومِه وإلزامِه بالقضاءِ.
وإنّما صحّ صيامُه لشبهِه بدخولِ غبارِ الطّريقِ أو غربلةِ الدّقيقِ إلى جوفِه، أو طيرانِ ذبابةٍ إلى حلْقِه، وبهذا فارَقَ المتعمِّدَ(٥).
وتقرّر حكمُ الكراهةِ في حقِّه لأنّ دوافعَ سباحتِه في رمضانَ ليستْ حاجيّةً أو ضروريّةً؛ فيُكْرَهُ له خوفًا مِنْ دخولِ الماءِ إلى حلْقِه، وقد كَرِهَ الحسنُ والشّعبيُّ أن ينغمسَ في الماءِ خوفًا أن يَدْخُلَ في مَسَامِعِه(٦)، ولئلاّ يَدَعَ نفْسَه عُرْضَةً لاختلافِ العلماءِ في حكمِه، خاصّةً فيما فيه عبثٌ وإسرافٌ مِنْ غيرِ حاجةٍ أو ضرورةٍ.
هذا، وعلى الصّائمِ أنْ يغتنمَ شهْرَ رمضانَ فيُقبلَ فيه على العباداتِ والطّاعاتِ والقُرُباتِ، وينتهِيَ عن جميعِ المخالَفاتِ والمنكَراتِ والمنهيّاتِ، وأن يحرصَ على ما ينفعُه في معاشِه ومعادِه، فيسعى ليستفيدَ من وقتِه فيما يحبُّه اللهُ ويرضاه، ويصونَ نفْسَه عنِ اللّهوِ واللّعبِ والهزْلِ والعَبَثِ وما يُخِلُّ بالمروءةِ وغيرِها من الأفعالِ التي يَحْسُن ترْكُها في رمضانَ وغيرِه لما فيها مِنْ تضييعِ العُمُرِ في غيرِ ما خُلِقَ مِنْ أجْلِه.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: 07 شعبان 1431ﻫ
الموافـق ﻟ: 19 يولـيو 2010م

 


١- «فتح الباري» لابن حجر: (4/153).
٢- أخرجه البخاريّ تعليقًا في «الصّوم» (1/ 461) باب اغتسال الصّائم، قال ابن حجر في «فتح الباري» (4/154): «وصله قاسم بن ثابت في "غريب الحديث" له».
٣- «فتح الباري» لابن حجر: (4/154).
٤- أخرجه أبو داود في «الطّهارة» (142) باب في الاستنثار، والتّرمذيّ في «الصّوم» (788) باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصّائم، والحديث صحّحه الألبانيّ في «الإرواء» (4/ 85).
٥- انظر: «المغني» لابن قدامة: (3/108-109)، «المجموع» للنّوويّ: (6/326).
٦- «المغني» لابن قدامة: (3/109).
Ler Mais
 في حكم صيام المستمني في رمضان

السـؤال:
كنت أمارسُ العادةَ السريةَ في رمضان ليلاً ونهارًا، والآن -ولله الحمد- تبت إلى الله تعالى، فما الذي يترتب عليّ؟
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فبِغضِّ النظر عن حُكْمِ الاستمناء الذي تقدَّمَ في فتوى سابقة(١) فلا أعلمُ خلافًا في انتفاء الكفَّارة على من باشر الاستمناءَ باليد أو بأسبابِ الإنزال الأخرى كتقبيل الرجُلِ زوجتَهُ أو ضَمِّها إليه ونحوِ ذلك؛ لأنّ الأصلَ عدمُ الكفارةِ، وإنما الخلافُ في قضائه، وأصحُّ القولين في ذلك أنّ مباشرة الاستمناءِ باليد أو غيرِه لا توجب قضاءً ولا كفارةً، وهو مذهبُ ابنِ حزم، وبه قال الصنعاني والشوكاني وغيرُهم؛ لأنّ الأصلَ استصحاب صحّة الصوم إلى أن يَرِدَ دليلٌ على الإبطال، وإلحاقه قياسيًّا بالمُجَامِعِ ظاهرٌ في الفَرْقِ لكون الجِمَاع أغلظ من الاستمناء، ويعارضه بعضُ الآثارِ السلفيةِ الدالَّةِ على أنّ المباشرةَ بغير جِماع لا تُفطر ولو أنزل، منها قولُ عائشةَ رضي الله عنها لِمَن سألها: ما يحلّ للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: «كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الجِمَاع»(٢)، وعنها رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّم يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ»(٣)، وقد ثبت عن ابن مسعود أنه كان يباشر امرأتَه نصف النهار وهو صائم(٤)، وسُئِلَ جابرُ بن زيد عن رجل نظرَ إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها هل يفطر؟ قال: لا، يتمُّ صومه»(٥)، وما إلى ذلك من الآثار الصحيحة.
ومع الحكم بعدم القضاء إلا أن مذهب الجمهور في إلزامه بالقضاء يمكن حمله على باب الاحتياط.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في 22 جمادى الأولى 1428ﻫ
الموافق ﻟ: 7 جوان 2007م


١- الموسومة ﺑ «في حكم العادة السرية» تحت رقم:284.
٢- أخرجه عبد الرزاق في «المصنف»: (1258)، وانظر «السلسلة الصحيحة» للألباني: (1/434)، و«ما صح من آثار الصحابة في الفقه» لقادر الباكستاني: (2/654).
٣- أخرجه البخاري في «الصوم»، باب المباشرة للصائم :(1836)، ومسلم في «الصيام»، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته: (2579)، وأبو داود في «الصوم»، باب القبلة للصائم: (2382)، والترمذي في «الصوم»، باب ما جاء في مباشرة الصائم: (728)، وابن ماجه في «الصيام»، باب ما جاء في المباشرة للصائم: (1687)، وأحمد: (23654)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٤- أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»: (9/314)، وابن أبي شيبة في «المصنف»: (9399)، والأثر صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (1/436)
٥- أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»: (9447)، قال الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (1/437): «إسناده جيّد».
Ler Mais

حكم البخاخات الهوائية حال الصيام

الفتوى رقم: 76
الصنف: فتاوى الصيام
حكم البخاخات الهوائية حال الصيام

السؤال: سائلة تعاني من مرض الربو وتريد معرفة ما إذا كان يجوز لها استعمال بخاخة هوائية تعمل على توسيع المسالك الهوائية عن طريق استنشاق الدواء الموجود بها، وذلك في رمضان أو في غيره أي حين تكون صائمة. 

الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فإذا كانت مكونات هذه البخاخة عبارة عن هواء (أوكسجين) يساعد على فتح وتوسيع المجاري في القصبات الهوائية فلا نرى مانعا من استعماله في رمضان وغيره، ولا يمكن تعداده من المفطرات، أمّا إذا كانت تحتوي على مكونات تتركب من مواد بخارية تتحول باستعمالها إلى سوائل تشعر بمذاقها وبنزولها إلى الحلق فالمعدّة حال الاستعمال وبالتفاعل، فإنّها تعدّ من المفطرات وعليه فإن كان استعمالها بهذا الاعتبار الأخير نهار رمضان في الشهر مرة أو مرتين فهو معدود من المريض الذي يقضي ما أفطره أمّا إذا كان الاستعمال في غالب الشهر أو بحيث يتجاوز المعتاد، فحكمها حكم المريض المزمن الذي يترتب عليه الفدية. 
والله أعلم؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.

Ler Mais

صحة صوم من أصبح جنبا

الفتوى رقم: 80
الصنف: فتاوى الصيام

في صحة صوم من أصبح جنبا

السؤال: إذا جامع الرجل زوجته في شهر رمضان في الليل بعد المغرب، واغتسل بعد الفجر، فهل صومه باطل؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما، أمّا بعد:
فالنهي عن صوم الجُنُب في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ يَصُومُ"(١) منسوخ بحديث عائشة، وأمّ سلمة رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ"(٢) متفق عليه وزاد مسلم في حديث أم سلمة: "ولا يقضي"(٣) وفيه دليل على صحة صوم من دخل في الصباح وهو جنب من جماع، وقد رجع أبو هريرة عنه وأفتى بقول عائشة وأمّ سلمة رضي الله عنهم(٤).
ومما يدل على النسخ ما أخرجه مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَفْتِيهِ وَهِىَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكُنِى الصَّلاَةُ وَأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَأَنَا تُدْرِكُنِى الصَّلاَةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ. فَقَالَ لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى"(٥).
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: 28 من ذي الحجة 1426ﻫ
الموافق ﻟ: 28 ينـــــاير 2006م
 
۱- أخرجه أحمد (7591)، والحميدي في مسنده (1066)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه  أحمد شاكر في تحقيقه مسند الإمام أحمد (13/118)، والألباني في السلسلة الصحيحة (3/10).
٢- أخرجه البخاري في صحيحه (1926)، ومسلم في الصيام (2646)، وأحمد (27422)، من حديث عائشة وأمّ سلمة رضي الله عنهما.
٣- في الصيام (2646).
٤- أخرجه مسلم في الصيام (2645)، والبيهقي (8253).
٥- أخرجه مسلم (2649)، وأبو داود في الصوم (2391)، ومالك في الموطأ (642)، وأحمد (26836)، من حدث عائشة رضي الله عنها.
Ler Mais

حكم الغيبة والنميمة للصائم

حكم الغيبة والنميمة للصائم
السـؤال:
هل الغِيبةُ والنّميمةُ تُبْطلان الصّيامَ؟ فإذا كانتا لا تُبطلانه فما مدى صحّةِ قولِ مَنْ يستدلّ على أنّهما مِنْ مُبْطلاتِ الصّيامِ بقولِه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»(١)؟
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالصّومُ هو التّعبدُ للهِ بالإمساكِ عنِ المفطّراتِ مِنْ طلوعِ الفجرِ الصّادقِ إلى غروبِ الشّمسِ إمساكًا حسّيًّا، ويُتْبَعُ ذلك بالإمساكِ المعنويِّ عنِ الكلامِ المحرَّمِ والمكروهِ مِنَ اللّغوِ والرّفَثِ والصّخَبِ وقولِ الزّورِ، ويدخل فيه كلُّ كلامٍ محرَّمٍ مِنَ الكذبِ والغِيبةِ والنّميمةِ وشهادةِ الزّورِ والسّبِّ والشّتمِ، والجهلِ الذي هو ضدُّ الحِلْمِ مِنَ السّفَهِ بالكلامِ الفاحشِ وغيرِها مِنْ صُوَرِ قبيحِ الكلامِ، علمًا أنّ صيانةَ اللّسانِ عن هذه المنهيّاتِ واجبٌ على كلِّ حالٍ وفي كلِّ وقتٍ، وحرمةُ الوقوعِ فيها مِنَ الصّائمِ أشدُّ وأغلظُ، خاصّةً في زمنٍ فاضلٍ كرمضانَ أو مكانٍ فاضلٍ كالحرمينِ لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، قال الصّنعانيُّ -رحمه اللهُ-: «الحديثُ دليلٌ على تحريمِ الكذبِ والعملِ به، وتحريمِ السّفَهِ على الصّائمِ، وهما محرَّمان على غيرِ الصّائمِ -أيضًا-، إلاّ أنّ التّحريمَ في حقِّه آكِدٌ كتأكُّدِ تحريمِ الزّنا مِنَ الشّيخِ والخُيَلاَءِ مِنَ الفقيرِ»(٢)، كما يدلّ على هذا المعنى مِنْ حفظِ اللّسانِ عن جميعِ أنواعِ الكلامِ الذي لا خيْرَ فيه قولُه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(٣)، وقولُه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «وإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»(٤).
وعليه، فالصّومُ الكاملُ هو التّعبدُ للهِ بالإمساكِ الحسّيِّ والمعنويِّ، والذي يتعلّق به بطلانُ الصّومِ منهما إنّما هو ما ثبت مِنَ المفطّراتِ الحسّيّةِ شرعًا كالأكلِ والشّربِ والجماعِ والقيءِ عمدًا وخروجِ دمِ الحيضِ والنّفاسِ وغيرِها مِنَ المفطّراتِ، أمّا الكلامُ القبيحُ مِنْ محرَّمٍ ومكروهٍ فلا يُعَدُّ منها، غيرَ أنّه يُنْقِصُ أجْرَ الصّائمِ ويقلّل ثوابَه على وجهٍ لا يكون صيامُه تامًّا كاملاً.
وليس في حديثِ أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه السّابقِ ما يدلّ على بطلانِ صومِ مَنْ وقع في آفاتِ اللّسانِ، فغايةُ ما يدلُّ عليه هو بيانُ عِظَمِ ارتكابِ قولِ الزّورِ والجهلِ في حالِ الصّيامِ، وبيانُ «أنّ كمالَ الصّومِ وفضيلتَه المطلوبةَ إنّما يكون بصيانتِه عنِ اللّغوِ والكلامِ الرّديءِ»(٥)، ولا اعتبارَ لمفهومِ قولِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، لأنّ اللهَ تعالى لا يحتاج إلى عملِ أحدٍ ولا إلى طاعتِه فهو سبحانه غنيٌّ عنِ العالمين وأعمالِهم.
فالحاصلُ أنّ المقصودَ مِنْ حكمةِ تشريعِ الصّيامِ ليس في ذاتِ الإمساكِ عنِ المفطّراتِ بالجوعِ والعطشِ، وإنّما الحكمةُ مِنْ شرعيّةِ الصّيامِ هي الامتناعُ عن كلِّ ما حرّمه اللهُ مِنْ جهةِ الحسِّ والمعنى تهذيبًا للنّفسِ وتقويمًا للأخلاقِ والطّباعِ.
والذي يؤيّد عدمَ بطلانِ صيامِ المغتابِ ما عليه كافّةُ العلماءِ، حتّى نقل ابنُ قدامةَ -رحمه اللهُ- الإجماعَ على صحّةِ صومِه فقال: «الغِيبةُ لا تفطّر الصّائمَ إجماعًا، فلا يصحّ حملُ الحديثِ على ما يخالِفُ الإجماعَ»(٦).
قلتُ: وإن كان الإمامُ الأوزاعيُّ -رحمه اللهُ- قد خالف في ذلك فقال: «يَبْطُل الصّومُ بالغِيبةِ ويجب قضاؤُه»(٧)، إلاّ أن مرجوحيّةَ ما ذهب إليه تظهر في ضعفِ مستنَدِه، حيث استدلّ بحديثِ: «خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالْكَذِبُ وَالْقُبْلَةُ وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ»(٨)، والحديثُ مِنْ حيث سندُه لا يقوى على الحجّيّةِ مع أنّه قابلٌ للتّأويلِ، قال النّوويُّ -رحمه اللهُ-: «حديثٌ باطلٌ لا يُحْتَجّ به، وأجاب عنه الماورديُّ والمتولّي وغيرُهما بأنّ المرادَ بطلانُ الثّوابِ لا نفْسِ الصّومِ»(٩).
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 21 شعبان 1431ﻫ
الموافـق ﻟ: 02 أوت 2010م

 

١- أخرجه البخاريّ في «الأدب» باب قول الله تعالى ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (6057)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٢- «سبل السّلام» للصّنعانيّ (2/320).
٣- أخرجه البخاريّ في «الأدب» باب «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ» (6018)، وأخرجه مسلم في «الإيمان» (1/ 41) رقم (47)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٤- أخرجه البخاريّ في «الصّوم» (1904) باب هل يقول إنّي صائم إذا شُتِمَ، ومسلم في «الصّيام» (1/ 511) رقم (1151)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٥- «المجموع» للنّوويّ (6/356).
٦- «المغني» لابن قدامة (3/104).
٧- «المجموع» للنّوويّ (6/356).
٨- قال الزّيلعيّ في «نصب الرّاية» (2/ 483): «رواه ابن الجوزيّ في «الموضوعات» من حديث عنبسة .. وقال: هذا حديث موضوع، وقال ابن معين: سعيد كذّاب ومِن سعيد إلى أنس كلّهم مطعون فيهم انتهى. وقال ابن أبي حاتم في  «كتاب العلل»: سألت أبي عن حديث رواه بقيّة عن محمّد بن الحجّاج عن ميسرة بن عبد ربه عن جابان عن أنس أنّ النّبيّ عليه السّلام قال: «خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ» فذكره، فقال أبي: إنّ هذا كذبٌ وميسرة كان يفتعل الحديث».
٩- «المجموع» للنّوويّ (6/356).
Ler Mais

حكم صيام من علمت أنّها تطهر من حيضها بعد الفجر

الفتوى رقم: 78
الصنف: فتاوى الصيام

في حكم صيام من علمت أنّها تطهر من حيضها بعد الفجر

السؤال: الحائض إذا علمت بأنّها طاهر في الصباح هل تصوم ذلك اليوم وتقضيه لأنّها لم تبيت النية من الليل أم أنّ صيامها صحيح؟ وجزاكم الله خيرا.

الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أمّا بعد:
فالحائض إذا طهرت قبل الفجر أو علمت أنّها تطهر بعده في أول نهار رمضان ولم تكن مفطرة صح صيامها ولا قضاء عليها، لأنّ تبييت النية من الليل-في الحالة الثانية- غير مقدور عليه، وقيل: هذه الصورة مخصصة من حديث حفصة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»(١)، فالخبر فيه دليل على وجوب تبييت النية وإيقاعها في جزء من أجزاء الليل غير أنّه محمول لمن دخل ذلك تحت قدرته، إذ لا تكليف إلاّ بمقدور ويستثنى من ذلك كل من لم يدخل تحت القدرة فظهر له وجوب الصيام عليه من النهار، كالصبي يحتلم والمجنون يفيق والكافر يسلم، وكمن انكشف له النهار أنّ ذلك اليوم من رمضان عملا بحديث سلمة بن الأكوع والربيع بنت معوّذ عند الشيخين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس:«من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يأكل فلا يأكل»(٢).
والعلم عند الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
 
١- أخرجه أبو داود في الصوم(2456)، والترمذي في الصوم(734)، والنسائي في الصيام(2345)، وأحمد(27214)، والدارقطني في سننه(2239)، والبيهقي(8161)، من حديث حفصة رضي الله عنها. وصححه الألباني  في صحيح الجامع (6538)، وفي المشكاة(1987).
٢- أخرجه البخاري في الصوم (1924) و(1960)، ومسلم في الصيام (2724)، من حديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ، رضي الله عنهم
Ler Mais

حكم صوم تارك الصلاة

الفتوى رقم: 314
الصنف: فتاوى الصيام

في حكم صوم تارك الصلاة

السؤال: هل صيام تارك الصلاة جائز صحيح؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين أما بعد:
فلا خلاف بين أهل العلم في عدم صحة صيام من ترك الصلاة منكرًا بفرضيتها جاحدًا بوجوبها، لأنه كافر كفرًا مخرجًا من الملة قولاً واحدًا، وأعمال الكفار تقع باطلة لأنَّ صحة العمل مشروط بالإيمان وهو -في هذه الحال- منتفٍ عنه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: 23] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾[النور: 39]، وقال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ [إبراهيم: 18]
أمَّا تارك الصلاة عمدًا وكسلاً وتهاونًا مع الإقرار بفرضيتها فحكمه مختلف فيه بين أهل العلم بين مكفر له لورود نصوص شرعية تقضي بذلك وبه قال الإمام أحمد وغيره، وغير مكفر لتاركها لوجود أدلة أخرى مانعة من تكفيره وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، وتخريج هذه المسألة مردها إلى حكم تكفيره، فمن كفر تارك الصلاة عمدًا وتهاونًا ألحقه بالمنكر لفرضيتها فلم يعتد بصيامه وسائر أعماله -كما تقدم- لانتفاء شرط الإيمان الذي يتوقف عليه عمله وصيامه، ومن لم يكفره عَدَّه مؤمنا عاصيًا، ولم يخرجه من دائرة الإيمان، وبناء عليه تصح أعماله وصيامه لوجود الإيمان المشروط في الأعمال والعبادات.
والراجح من القولين هو التفصيل، ووجهه أن من ترك الصلاة كلية ويموت على هذا الإصرار والترك فلا يكون مؤمنًا ولا يصح منه صوم ولا عمل وهو المعبر عنه بالترك المطلق، أما من يصلي ويترك فهذا غير محافظ عليها وليس بكافر، بل مسلم يدخل تحت المشيئة والوعيد ويصح صومه وهو المعبر عنه بمطلق الترك ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة"(١)، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن أتمها، وإلاَّ نظر هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه"(٢) وهذا التفصيل من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية(٣) رحمه الله-.
و العلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.

الجزائر في: 16 ذي القعدة 1426ﻫ
المـوافقﻟ: 18 ديسمبر 2005م


١- رواه أبو داود في الوتر (1422)، والنسائي في الصلاة (465)، وأحمد (23361) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:(1/370)، وفي صحيح الجامع: (3243).
٢- رواه الترمذي في الصلاة (415)، والنسائي في الصلاة (469) وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة (1491) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2020).
٣- مجموع الفتاوى لابن تيمية: (7/ 614، 615، 616)، ( 22 / 49).
Ler Mais